جاء راهب جديد إلى المعلم تشاو تشو وقال له: علمني حكمة الزن.
سأله المعلم: هل أكلت الأرز؟
قال الراهب: نعم أكلته.
قال المعلّم: اذهب واغسل وعاءك.
انتهت الحكاية. لا كشف ولا صاعقة ولا سر مخبأ تحت الكلمات. أراد الراهب بابًا عظيمًا فدله المعلم على حوض الماء..
تكون جالس مع أصدقائك، لكنك في اجتماع الغد.
تكون على مائدة الغداء، لكنك في مباراة الليلة.
أنت في حضن من تحب، لكنك في رسالة لم ترد عليها.
جسدك هنا يمضغ ويبتسم، وعقلك يسكن عنوان آخر.
يسمي البوذيون هذا «عقل القرد»: عقل يتنقل بين الأغصان ولا يستقر على غصن. لكني أرى التشبيه أرحم مما ينبغي. القرد يلعب. أما هذا العقل فأقرب إلى مدمن.
يقول لك المدمن في داخلك إنك إذا بلغت تلك الترقية، أو ذلك الجسد، أو تلك العلاقة، أو ذلك الصفاء في التأمل، فستستريح. فتبلغها، ويلمع الإنجاز لحظة، ثم يخبو، ويعود العقل إلى الصيد من جديد.
وإشباع الشهوة لا يطفئها. هو يصب عليها الزيت. فالمدمن لا يشبع، وإنما ينتظر الجرعة التالية.
آليتان تصنعان الجحيم
يتكوّن هذا الدولاب الدوار من حركتين خفيتين.
الأولى: اختراع «أنا» في مقابل «العالم». عقلنا يرسم حد بين جلدي وما سواه، فيصير الكون خصم أو غنيمة أو مجرد خلفية. وما دام هناك «أنا» هنا و«عالم» هناك، فالتوتر قائم: أحتاج منه، أخاف منه، أحمي نفسي منه.
الثانية: اختراع الزمن النفسي. الساعة لا تُنكَر، فالأمس كان، وغدًا سيأتي. لكن العقل يصنع زمنًا آخر داخليًا، يقول لك فيه إنك الآن ناقص وإن الكمال هناك في لحظة مستقبلية. «أنا» المعيب في الحاضر، و«أنا» المخلَّص في المستقبل. وبين الاثنين تُصرف العمر كله في الركض.
ولاحظ أن الآليتين تعملان معًا. الزمن النفسي لا يعمل إلا إذا وُجد «أنا» يحتاج أن يصير شيئًا آخر. فإذا انهار أحدهما، ارتبك الآخر وسقط.
حتى في أنبل المشاريع
أخطر ما في الأمر أن هذا الدولاب لا يتوقف عند أحلام الدنيا. هو ينتقل إلى السماء ويرتدي ثيابها.
الذي يساعد الفقراء قد يكون فيه «أنا الطيّب» الذي يساعد. وهذا الطيّب يحتاج إلى الفقراء كما يحتاج الجائع إلى الخبز، فهم مرآته التي يرى فيها نفسه فاضلًا.
والباحث عن الحكمة قد يكون فيه «أنا غير المستنير» الذي يعمل ليصير «أنا المستنير». وهذا مشروع تحسين ذات بثياب روحانية، ومادته الخام هي النقص الذي يزعم أنه يعالجه.
سمى المعلم التبتي تشوجيام ترونغبا هذا «المادية الروحية»: أن تعامل التأمل والعقيدة والحكمة كما يعامل التاجر البضاعة، يكدسها ويقتني منها ليكبر رصيده. تغيرت الأصناف ولم يتغير الجشع. كان يشتري سيارة فصار يشتري «حالة وعي» أو «قرب من الله»
التنوير ليس حالة تدخلك إلى الجنة
التنوير ليس حالة يصير فيها كل شيء بخير، فلا أطفال يموتون ولا حكومات تظلم ولا سوء فهم ولا فواتير. هذه فانتازيا طفل يريد أب كوني ينقذه من العالم.
الحكمة الصوفية لن تطوي لك ثيابك، ويسوع لن يخوض بدلًا منك تلك المحادثة الصعبة مع صديقك التي تؤجّلها منذ شهر. لا معلّم ولا حالة ولا مقام سيقول «أنا أنوب عنك». المحادثة محادثتك، والثياب ثيابك، والوعاء وعاؤك.
يقول المثل الزني:
قبل التنوير: اقطع الحطب واحمل الماء.
بعد التنوير: اقطع الحطب واحمل الماء.
فما الذي تغيّر إذن؟ لم تُضَف إلى الحياة قطعة جديدة. سقط عنها شيء:
الحكاية التي كانت تُروى فوق الفعل، والتذمر الذي يرافق الحمل، والتنظير الذي يزخرف القطع، والأحلام التي تهرب بها إلى الغد وأنت ما زلت تحمل الماء
وبقي ما هو موجود: الحطب، والفأس، وصوت الخشب حين ينشق، وحرارة العضلة. إذا كان هناك شيء يجب أن يُفعل فاللحظة تفعله، بلا مجلس تحكيم داخلي.
حين تصير العقيدة هي الحاجز
قد يظن العقل ان الدواء هو عقيدة أصحّ، أو فلسفة أعمق، أو ممارسة أنقى. هذا من الجنس نفسه. حتى الفلسفة التي نحبها يمكن أن تتحوّل إلى جدار.
والأقدمون قالوا هذا بوضوح موجع.
حين قدّم البوذيون عقيدة الفراغ، وهي في ذاتها علاج يفكّك تعلّقنا بالرأى والممارسة الروحية، حذّر من أن الذين يجعلون الفراغ نفسه رأيًا يتمسكون به لا شفاء لهم. أي أن الدواء إن صار مرضًا فلا دواء بعده.
وقال بوذا إن تعاليمه كالطوف: تحملك إلى الضفة الأخرى، ولا يعقل أن تحمله على ظهرك بعد العبور. وقال الزِّن إن الإصبع يشير إلى القمر، فمن عبَد الإصبع فاته القمر.
فما معنى أن «تتمسك بالرأي»؟ معناه أن الرأي يصير بيتك، فيصير نقده قصفًا لبيتك. حين يخالفك أحد تحسّ أنه يعتدي على كيانك، لا أنه يصحّح خريطة. حينها لم تعد تحاور، بل تدافع عن حدود نفسك. والعقيدة التي تحمي بها نفسك من الواقع هي عين ما كان ينبغي أن تحرّرك منه.
وفي الممارسة أيضًا. أن تجلس في التأمل او الصلاة لتصنع حالة معيّنة، وأن تعدّ الدقائق والأنفاس والومضات، فذلك هو الدولاب نفسه في ثوب هادئ. الجلوس يتحوّل إلى مشروع لإصلاح الحاضر بدل أن يكون لقاء به.
الجمع والفرق وجمع الجمع
والصوفية رأوا هذا الفخّ وسمّوه بأسمائهم.
الفَرق هو أن ترى الكثرة: أنت عبد وهو ربّ، وهذا خلق وذاك حق، وهذا أمر وهذا نهي. هو مقام التمييز والتكليف والحدود. والسالك الذي يقف عنده وحده محجوبٌ بالخلق عن الحق، فيرى الأسباب ولا يرى المسبّب.
الجمع هو أن تنغمس حتى لا ترى إلا الواحد. تغيب الكثرة في شهود الحق، ويفنى الإحساس بالذات. وهذا هو الفناء الذي يتغنّى به العاشقون.
ولكن الأولين أدركوا أن من وقف عند الجمع وحده انهارت عنده الحدود. فماذا لو لم يعد يرى إلا الواحد، فمن يكلَّف بعد ذلك ومن يُسأل؟ ومن هنا خرجت الشطحات، وخرج عند بعض المنتشين تفلّتٌ من الأخلاق باسم أن «لا فرق». فقالوا في معنى ذلك إن الجمع بلا فرق يميل إلى الزندقة، والفرق بلا جمع يميل إلى التعطيل.
جمع الجمع هو الرجوع. فيه يرى العارف الحق في الخلق والخلق في الحق ، ولا تحجبه الكثرة عن الواحد ولا يحجبه الواحد عن الكثرة. غاب في الجمع حتى ضاع عنده ذاته، ثم رجع من الجمع إلى الفرق بعينين جديدتين. ويعود فيصلّي ويعمل ويطعم ويواسي ويمنع الظالمين وهو في الوقت ذاته يعلم أن الفاعل واحد . وهو حاضر في عمله بقوّته كلّها ، فليس في الداخل مشاهدٍ للفعل ومقيّم.
فقد كان الجنيد من أعلام هذا المقام الذي يدعونه «الصحو بعد السكر». رأى العُشّاقُ السكارى انتشائهم في الفناء، لكن الجنيد رأى أن الكمال في أن تعود إلى الصحو، فتأخذ الفناء معك إلى السوق لا إلى الكهف.
والبعض يناقش في كتبه «البقاء بعد الفناء» و«الفرق الثاني». وتباينت العبارات في الطرق، لكن الموضوع واحد : الرحلة لاتنتهي عند الذوبان، بل عند الرجوع .
وهذا هو الرباط الذي أطلبه. الفناء، أي انهيار الذات والهوية، قد يتحوّل إلى هوية جديدة: «أنا الذي فنِي»، «أنا الذي سقط الأنا عنده». وهي هوية أخبث من الأولى، لأنها ترتدي لباس التواضع وتتغذى على إنكارها لذاتها. والمدمن هنا لا يجري خلف المال، بل خلف «الأنا الميت».
وأمّا جمع الجمع فلا يستطيع أن يقول "أنا الذي بلغ". لا رصيد لديه يعرضه. ينهض من ذروته فيغسل الطبق. وهكذا هو تشاو تشو في لغة الصوفية: كان رده جمع جمع في صورة طبق.
الجسد هو الباب الذي لا نريد أن ندخله
نحن نهرب إلى الأفكار لأن الجسد حاضر جدًّا.
اغسل الوعاء الآن بكل جسدك. الماء ليس مفهومًا عن الدفء. هو حرارة تلسع جلدك وتنخز أطراف أصابعك وترسم حدودك. الصابون ليس النظافة. هو رائحة وزلق وفقاعات وصوت. هذا الامتلاء الذي تهرب منه حين تهرب إلى الغد، هو كل ما تملكه.
لا أعني أن الغسل مثل نشوة صوفية. أحيانًا هو مجرد ملل. لكن بينما تقف هناك في الملل بكامل جسدك، تدرك أن الملل نفسه حي. وأن ما كنت تظنه هوامش لحظة كان في الأساس رهبتك من رؤية نفسك بدون دعامة.
يعلم الغسل الصغير هذا ولا شيء أكثر : ان تبقى. إذا عرفت كيف تبقى في الوعاء، عرفت كيف تبقى في الأمور الكبيرة.
فلا تنتظر
لا تنتظر الاستهلال المقدّس.
لا تنتظر أن ينزل جبريل.
لا تنتظر الحالة التأملية الخاصة.
لا تنتظر أن تُنهي قراءة المكتبة.
لا تنتظر أن تتطهّر من ذنوبك قبل أن تحسن إلى أحد.
لا تنتظر أن تفهم وحدة الوجود حتى تتكلم مع أخيك.
الوعاء أمامك، والمحادثة التي تجنّبتها تنتظرك، والجسد الذي تسكنه لا يزال يتنفس.
اغسل وعاءك.